أبو البركات بن الأنباري
117
البيان في غريب اعراب القرآن
لكان يقول : آتوني أفرغه عليه . لأن التقدير فيه : آتوني قطرا أفرغه عليه . وذهب الكوفيون إلى أن العامل فيه ( آتوني ) . ويجوز أن تقدر حذف الهاء من ( أفرغه ) ، إذا نصب ب ( آتوني ) ، كما يجوز أن يقدّر ( قطرا ) إذا نصب ب ( أفرغ ) ، ولأنه لا فرق بينهما ، والفرق بينهما ظاهر ، لأنك إذا نصبته ب ( آتوني ) ، فصلت بجملة بينه وبين ( قطرا ) ، وقدرت ( لأفرغ ) مفعولا ، فارتكبت في ذلك ضربين من المجاز ، وإذا لم تقدّر في ( أفرغ ) مفعولا ، ونصبت ( قطرا ) به ، وقدّرت ( لآتونى ) مفعولا ، تركت ضربين من المجاز ، وإنما ارتكبت ضربا واحدا فبان الفرق . قوله تعالى : « فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ » ( 97 ) . اسطاعوا ، بمعنى استطاعوا ، يقال : اسطاع واستطاع ، واستاع واستتاع بمعنى واحد . وزعم قوم أن فيه لغة أخرى . ( أسطاع ) بفتح الهمزة ، وأن أصلها ( استطاع ) ، فحذفت التاء وفتحت الهمزة . والصحيح أن ( أسطاع ) إذا فتحت الهمزة منه ليس أصله ( استطاع ) ، وإنما أصله ( أطوع ) ، ثم نقلت حركة العبن إلى الفاء ، وقلبت الواو ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن ، وزيدت السين عوضا عما لحق الكلمة من الوهن والتغيير ، فقالوا : اسطاع ونظير زيادة السين في ( استطاع ) جبرا لما لحق الكلمة من الوهن ، زيادة الهاء في ( اهراق ) ، وذلك لأن الأصل ( أراق ) ، وأصله ( أروق ) فنقلت فتحة العين التي هي واو إلى الفاء ، وقلبت العين ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن ، وزيدت الهاء عوضا عما لحق الكلمة من الوهن والتغيير ، فالسين في ( استطاع ) ليست السين التي هي في ( استاع ) « 1 » ، ولا ( اسطاع ) مخففا من ( استطاع ) ، وقد بيّنا ذلك مستوفى في مسائل سأل عنها بعض أولاد المسترشد باللّه تعالى .
--> ( 1 ) ( استطاع ) في أ .